الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

138

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

معاني القرآن بله بلاغته ، وقد زينه ابن هشام في « مغني اللبيب » ، وتقدم الكلام عليها عند قوله تعالى : التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ في سورة التوبة [ 112 ] وعند قوله : وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ في سورة الكهف [ 22 ] . و إِذا هنا لمجرد الزمان غير مضمنة معنى الشرط ، فالتقدير : حتّى زمن مجيئهم إلى أبواب الجنة ، أي خلّتهم الملائكة الموكلون بإحفافهم عند أبواب الجنة ، كحالة من يهدي العروس إلى بيتها فإذا أبلغها بابه خلّى بينها وبين بيتها ، كأنهم يقولون : هذا منزلكم فدونكموه ، فتلقتهم خزنة الجنة بالسلام . و طِبْتُمْ دعاء بالطيب لهم ، أي التزكية وطيب الحالة ، والجملة إنشاء تكريم ودعاء . والخلاف بين القراء في فُتِحَتْ هنا كالخلاف في نظيره المذكور آنفا . [ 74 ] [ سورة الزمر ( 39 ) : آية 74 ] وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ ( 74 ) عطف هذا الكلام يؤذن بأن قولهم ذلك غير جواب لقول الملائكة بل حمدوا اللّه على ما منحهم من النعيم الذي وعدهم به ، وإنما وعدهم به بعنوان الأعمال الصالحة فلما كانوا أصحاب الأعمال الصالحة جعلوا وعد العاملين للصالحات وعدا لهم لتحقق المعلق عليه الوعد فيهم . ومعنى صَدَقَنا حقق لنا وعده . وقوله : أَوْرَثَنَا الْأَرْضَ كلام جرى مجرى المثل لمن ورث الملك قال تعالى : أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ [ الأنبياء : 105 ] فعبر القرآن عن مراد أهل الجنة المختلفي اللغات بهذا التركيب العربي الدال على معاني ما نطقوا به من لغاتهم المختلفة . ويجوز أن يكون أهل الجنة نطقوا بكلام عربي ألهمهم اللّه إياه فقد جاء في الآثار أن كلام أهل الجنة بالعربية الفصحى . ولفظ الْأَرْضَ جار على مراعاة التركيب التمثيلي لأن الأرض قد اضمحلت أو بدلت . ويجوز أن يكون لفظ الْأَرْضَ مستعارا للجنّة لأنها قرارهم كما أن الأرض قرار الناس في الحياة الأولى . وإطلاق الإيراث استعارة تشبيها للإعطاء بالتوريث في سلامته من تعب الاكتساب . والتبوؤ : السكني والحلول ، والمعنى : أنهم يتنقلون في الغرف والبساتين تفننا في النعيم .